مجلة المرافعات المدنية والتجارية


إن تكريس مبدأ حماية الحقوق والحريات وتحقيق الأمن والاستقرار لا يقتصر على سن جملة من القوانين وإنما يستلزم إلى جانب ذلك توفير نظام قانوني ينظم طرق وإجراءات للحصول على تلك الحقوق ومنع الاعتداء على الأفراد والأملاك ويضبط الهياكل المختصة (قانون المرافعات).

وذلك لضمان تلك الحماية وهو الدافع الذي حمل جل التشاريع إلى تحديد قانون خاص ينظم الإجراءات والمحاكم وطرق الطعن والتنفيذ (مجلة المرافعات المدنية والتجارية التونسية مثلا و التي يمكنك تحميلها من أسفل الصفحة).

قانون الإجراءات و المرافعات المدنية عبر التاريخ :

و في هذا الـ سياق على الصعيد الـ وطني أكد المؤرخون على أنّ القانون البربري و هو ما يعرف بقانون الامازيغ هو الذي كان موجودا بتونس منذ أربعين قرنا قبل الميلاد و هو سابق لقانون حمورابي و تأسس على عنصري الإباحة أو المنع ( نعم أو لا) ثم تلاه القانون الفينيقي ثم الروماني بداية من سنة 146 قبل الميلاد و الذي دام 8 قرون و ارتكز على قانون الألواح الاثني عشر المستمدة من القانون اليوناني و يبدو أن الونداليين و البيزنطيين لم يدخلوا تغييرات جوهرية في النظام القانوني إلى تاريخ فتح تونس زمن خلافة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة سبعة و عشرين للهجرة الموافق لسنة 648 ميلادي .

 

و بعد الفتح الإسلامي أضحت الشريعة الإسلامية تطبق و سافر من افريقية إلى المدينة المنورة مجموعة من طالبي العلم للتفقه في العلوم الشرعية عن مالك بن انس رضي الله عنه الذي أصبح مذهبه مصدر الفقه بتونس.

و تولى الاغالبة منذ سنة 134 هجري الموافق ل 800 ميلادي القيام بحركة إصلاح قضائي تتأسس على تصنيف و تدوين أحكام الفقه المالكي و تطوير الإجراءات و تخصيص الدوائر القضائية و إحداث:

 

دائرة المظالم و هي محكمة مدنية غير مقيدة بمرجع نظر ترابي و تنظر في حدود مقدار معين من امال و تنعقد بالأسواق و القرى لفصل النزاعات.

 

دائرة الحسبة تعتني بالخصوص بقاومة الغش و الاحتكار و ارتفاع الاسعار و تعمل على المحافظة على الصحة ثم الحقت فيما بعد بدائرة قاضي القضاة.

 

دائرة قاضي القضاة : تختص بالنظر في الجنح و الجرائم و كذلك في المادة المدنية لكل ما خرج عن ولاية المظالم و دائرة الحسبة .

 

و يعتمد القانون الإسلامي أساسا على تطبيق أحكام ولاية الرد استنادا إلى رسالة عمر بن الخطاب إلى قاضي الكوفة ابو موسى الاشعري التي تضمنت : و لا يمنعك قضاء قضيت اليوم فراجعت فيه عقلك و هديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم و مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.

 

دستور عهد الأمان:  بعد تأزم الأوضاع الاجتماعية والاقتصاد ية بالبلاد التونسية اجبر محمد باي على سن دستور عهد الأمان المؤرخ في 1857/09/10 متضمنا تأكيد الأمان لكافة السكان في ابدأنهم و أموالهم و أعراضهم إلا بحق يتولى النظر فيه مجلس قضاتيٍ و بدا العمل به في 1861/04/26 ميلادي و تكونت مجالس حكمية للجنايات و الأحكام العرفية بالقيروان وسوسة وصفاقس و قابس و جربة و باجة و الكاف و بنزرت و الجريد ثم بالمنستير الا انه اثر المرور بإضطرابات بالبلاد تم إصدار أمر ماي لسنة 1864 الذي تم بموجب ـه إيقاف العمل بدستور عهد الأمان و القوانين المنبثقة عنه.

 

الإجراءات في القانون التونسي و القوانين المقارنة  :

من هذه الناحية بعض الدول يشتمل قانونها المدني على قانون المرافعات في نفس الوقت بحيث أن نفس ﺍﻟﻘﺎﻨﻭﻥ يحدد الحقوق وإجراءات حمايتها كقانون القضاء المدني بالسودان فيما خير البعض الأخر فصل قانون الإجراءات عن القواعد القانونية الموضوعية.

 

ورغم التفرقة بين القواعد الموضوعية وقواعد الإجراءات فانه يتضح بان بعض القوانين الموضوعية تتضمن القواعد الإجرائية الخاصة بها كالقانون المتعلق بالتحكيم ومجلة الشغل والقانون الخاص بالانتزاع للمصلحة العامة ولا يجوز تطبيق الإجراءات المدنية عليها الا إذا دعت الضرورة (سكوت أو غموض النص) أو إذا أحال القانون نفسه إمكانية تطبيق أحكام المرافعات فيما لا يتعارض معها كما أن قانون الإجراءات وان كان قانونا شكليا فقد يمس بأصل الحقوق وله تأثير واضح على أصل الحق كالنصوص المتعلقة بتحديد أجل تقديم الدعوى أو الطعن والتي تسقط بفواتها الحقوق بمعنى أن حماية الحقوق الموضوعية رهينة رفع الدعاوى أو الطعن خلال الأجل المعين بقانون المرافعات.

 

واختلفت التسميات ورأى المشرع الفرنسي إطلاق تسمية قانون الإجراءات وفي مصر قانون المرافعات وفي لبنان قانون أصول المحاكمات المدنية.

 

أما في تونس فبعد أن تم اختيار تسمية الإجراءات المدنية تم إصدار القانون عدد 130 لسنة 1959 الـ مؤرخ في 2 ربيع الثاني 1379 (5 أكتوبر 1959)  يتعلق بإدراج مجلة المرافعات المدنية والتجارية (الرائد الرسمي عدد 56 بتاريخ 3 و6 و10 و13 نوفمبر 1959  ص1626) و قد نص على الفصول الآتي بيانها :

 

الفصل الأول : أحدثت مجلة للمرافعات المدنية والتجارية ملحقة بهذا القانون.

الفصل 2 : ألغي العمـل بجميع النصوص السابقة المخالفة لهذه المجلة ومنها قانون المرافعات المدنية المدرج بالأمر المؤرخ في 21 ذي الحجة 1328 (24 ديسمبر 1910) كما وقع تغييره أو إكماله بالنصوص التابعة له.

الفصل 3 : يبقى العمل جاريا  :

1- بالأمر المؤرخ في 23 ربيع الثاني 1306 (27 نوفمبر 1888) في النزاعات المتعلقة بالإدارة.

2-  بالأحكام المتعلقة بسير الدعاوى سواء كانت في صيغة طلب أو في صيغة دفاع وسير وسائل التنفيذ الخاصة بالأداءات والضرائب والديون بجميع أنواعها الراجعة للدولة والبلديات والمؤسسات العمومية.

3-  بالأمر المنقح الصادر في 25 ذي الحجة 1367 (28 أكتوبر 1948) المتعلق بأكرية محلات السكنى والحرفة.

4- بالأمر المؤرخ في 2 جمادى الثانية 1374 (27 ديسمبر 1954) المتعلق بالعلاقات بين المسوغين والمتسوغين للمحلات التجارية والصناعية،

5- الـقـــــانــون عـــدد 48 لـسـنة 1958 المــــــؤرخ في 21 رمضان 1377 (11 أفريل 1958) المحدث لحاكم المنح العائلية.

6- القانون عدد 117 لسنـة 1958 المؤرخ في 21 ربيع الثـــــاني 1378 (4 نوفمبر 1958) المحدث لمجالس العرف.

7- القانون عدد (1) نقحت الإجراءات المنصوص عليها بهذا الأمر بالقانون عدد 40 لسنة 1972 المؤرخ في أول جوان 1972 والمتعلق بالمحكمة الإدارية (الرائد الرسمي عدد 23 بتاريخ 2 و 6 جوان 1972) وقد نص بالفصل الثاني منه والذي نقح بالقانون الأساسي عدد 39 لسنة 1996 المؤرخ في 3 جوان 1996 "تنظر المحكمة الادارية بهيئاتها القضائية المختلفة في جميع النزاعات الإدارية عدى ما أسند لغيرها بقانون خاص".

(2) يجري العمل حاليا بأحكام القانون عدد 35 لسنة 1976 المؤرخ في 18 فيفري 1976 عوض أحكام العنوان الأول من هذا الأمر.

(3) ألغي بالقانون عدد 27 لسنة 1966 المؤرخ في 30 أفريل 1966 المتعلق بإصدار مجلة الشغل (أنظر الكتاب الخامس الفصول من 183 إلى 232).

80  لسنة 1959 المؤرخ في 15 محرم 1379 (21 جويلية 1959) الخاص بإجراءات استخلاص الديون المتعلقة بالمنح العائلية.

الفصل 4 : يبدأ العمل بمجلة المرافعات المدنية والتجارية في غرة جانفي 1960.

الفصل 5 : النوازل التي مازالت جارية في غرة جانفي 1960 تبقى خاضعة للإجراءات المعمول بها في تاريخ صدور هذه المجلة إلى أن يقع فصلها من طرف المحكمة المنشورة لديها.

الأحكام الصادرة في القضايا المشار إليها بالفقرة المتقدمة وكذلك الأحكام الصادرة قبل غرة جانفي 1960 تبقى خاضعة فيما يخص قابلية الطعن والمحكمة صاحبة النظر فيه للقانون القديم غير أن إجراءات الطعن تقع طبقا لمقتضيات القانون الجديد.

الفصل 6 : ينشر هذا القانون بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وينفذ كقانون من قوانين الدولة.

 

مفهوم قانون المرافعات المدنية  :

ونشير هنا على ضوء ما سبق إلى أنه (قانون المرافعات المدنية) القانون العام الذي ينظم إجراءات و أين يبين كيفية التقاضي ورفع الدعوى و تنظيم المحاكم واختصاصها وطرق الطعن في الأحكام ووسائل تنفيذها ويمكن الرجوع إليها كلما شاب القوانين الإجرائية الاخرى سكوت أو غموض ولو كان الأمر يتعلق بقانون الإجراءات الجزائية فيما لا تتعارض معها. والملاحظ أن قانون المرافعات المدنية يشمل قواعد تهم النظام العام والإجراءات الأساسية و الموجهة لتحقيق مصلحة عامة وهي حماية المجتمع من خلال فرض قواعد امرة يأخذ بها كل افراد المجتمع ولا يجوز الاتفاق على خلافها تفرض على المحاكم اثارتها من تلقاء نفسها فالقواعد المنظمة للنظام القضائي وطرق الطعن تهم النظام العام لأنها تنظم سلطة عامة هدفت لتحقيق العدالة وحسن سير القضاء. إلى جانب قواعد تهم مصلحة الأشخاص يمكن الاتفاق على خلافها و لكل من له مصلحة حق التمسك بها ولا تثيرها المحكمة لوحدها وترمي إلى حماية مصالح المتقاضين الخاصة كإجراءات الاستدعاء للجلسة التي تكفل حق الرد والدفاع.

 

وعلى غرار القوانين الموضوعية (القانون المدني أو التجاري....) فإن مادة المرافعات المدنية والتجارية تلعب دورا هاما في تحقيق ضمانات أساسية للأفراد للمحافظة على حقوقهم وينظم وظيفة عامة للدولة.

 

المبادئ المؤسسة عليها  مجلة المرافعات المدنية و التجارية  :

وخلافا للقوانين العامة (المجلة المدنية أو المجلة التجارية) وغيرها فإن قواعد المرافعات المدنية تستمد مصدرها من التشريع ولا مجال لتطبيق جريان العمل أو العادة و يتأسس قانون المرافعات المدنية والتجارية على جملة من المبادئ أهمها

 

1- قواعد المرافعات امرة تهم النظام العام.

اغلب النصوص القانونية بمجلة المرافعات المدنية و التجارية آمرة وتهم النظام العام وهي تلزم الأطراف و الحكم إذ أنه واجب احترامها وتطبيقها دون تغيير أو تيسير : تنظيم المحاكم واختصاصها وإجراءات الطعن وأجالها والإخلال بهذه الأحكام يؤدي إلى البطلان وهو بطلان مطلق.

اما الاحكام المنظمة للإجراءات استدعاء الخصوم والحضور بالجلسة فهي تهم مصلحة الاطراف ويمكن تصحيحها بحضور المستدعى او نائبه او تقديم جوابه.

 

2- عمومية ا لأحكام.

تشكل مجلة المرافعات النص العام المنظم للإجراءات في الميدان التجاري والمدني ولا مكن تطبيق قواعد أخرى خاصة كالإجراءات الواردة بمجلة الشغل أو الأحوال الشخصية و العكس جائز.

 

3- ضمان المواجهة وحقوق الدفاع.

من أهم الضمانات الحقيقية لتحقيق العدالة والمساواة أمام القانون هو تكريس مبدا حق الدفاع والرد والمواجهة الذي يفرض على المتقاضياستدعاء خصمه للحضور أمام الحاكم والاطلاع على مدعياته في أجال معقولة وتمكينه من الرد وتقديم دفوعاته ومؤيداته وعند الاقتضاء دعواه المعارضة وهو يمنح للمتقاضي حق الطعن في الوثائق والقدح في الشهود والتجريح في الحكام الذين تعهدوا بالنظر في نازلته لضمان قدرا من النزاهة و الحياد.

 

4- عدم رجعية القوانين.

ينص المبدأ على أنه يتم تطبيق القوانين الإجرائية الجديدة بصفة فورية على الدعاوى ولو كانت هذه الدعاوى مرفوعة قبل صدور القانون وليس لها أثر رجعي فلا تمس بالدعاوى المفصولة و الوقائع والحقوق أو الإجراءات التي اكتملت في ظل القانون القديم و تبقى الاعمال المكتملة و الحقوق المكتسبة خاضعة للتشريع القديم كل ذلك ما لم ينصص القانون الإجرائي الجديد على  خلاف ذلك و في بعض الحالات المحصورة.

 

وطبق  لذلك القانون يسري فور صدوره عملا بمبداً سيادة القانون.

إذ يعد تاريخ العمل بالقانون هو تاريخ نشره بالرائد الرسمي و الغاية من الـ نشر هو إعلام عامة الناس و إبلاغ الجمهور بصدور القانون وبمحتواه والنشر هو شرط لتنفيذ القانون.

على المستوى الدولي ابرمت عدة اتفاقيات تنظم حقوق الاجانب في التقاضي امام المحاكم التونسية والتعاون القضائي والاعتراف بالاحكام وتنفيذها.

وأي يكن لا تعد المعاهدات نافذة الا بعد المصادقة عليها وتصبح بذلك اقوى نفوذا من القوانين شريطة تطبيقها من الطرف الاخر.

و القاضي مطالب بمعرفة القانون الوضعي على اختلاف فروعه وتعدد نصوصه ويستند على القاعدة القانونية المنطبقة ولو لم يتمسك بها المتقاضي فيما حمل الفصل اثنان وثلاثون من القانون الدولي الخاص عبء اثبات وجود ومضمون القانون الأجنبي على الخصوم.

 

5- تنظيم بعض المسائل المتعلقة بالحقوق الموضوعية

رغم أن مجلة المرافعات المدنية والتجارية مخصصة مبدئيا للإجراءات، الأوضاع الشكلية فإن المشرع قد تناول بعض المسائل التي تهم الحقوق الأصلية مثل الدعاوى الحوزية التي تتعلق بحوز العقارات وشروطه الموضوعية (الباب الثاني من الجزء الثاني) والأمر بالدفع الذي يخص أداء الديون الموثقة كتابة أو بواسطة الأوراق التجارية.

 

 

مراجع : code de procedure civile et commerciale tunisie tn) Code of Civil and Commercial Procedures tunisia)

·         مجلة المرافعات المدنية والتجارية: معدلة و معلق عليها ومذيلة بـ فقه القضاء | القاضي السيد صالح الضاوي، بتصرف [القراءة] PDF صدرت عن مركز الأطرش للكتاب المختص

·         التعليق على مجلة المرافعات المدنية والتجارية | الدكتور علي كحلون

·         كتاب التعليق على قانون المرافعات المدنية والتجارية "أحكامها و اختصاصاتها" PDF | أ. نور الدين الغزواني

·         التعليق على الفصل 19 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية

·         النسخة العربية من مجلّة المرافعات المدنية والتجارية PDF [اضغط للـ تحميل]

·         النسخة الفرنسية من مجلة المرافعات المدنية والتجارية PDF [اضغط للـ تحميل]


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كتاب العقد للأستاذ محمد الزين | النظرية العامة للالتزامات والعقود

دروس في القانون التجاري التونسي (الأصل التجاري، الأعمال التجارية، التجار) | ‫ايمان البرناط البكوش